إخوان الصفاء
32
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الفعل ليقف الفلك عن الدوران . فأما الأجسام فإن أفضلها ما كان يظهر عنه أفضل فعل ، وأجلّ النفوس ما بدا منها العلم وزال عنها الجهل . ثم اعلم أن ألذّ ما يأكل الإنسان هو العسل ، وأنعم ما يلبس هو الإبريسم . فإن كان الفاعل لهما هي الدودة والزّنابير ، فإذا أصغر الأجسام أكرمها فعلا . وقد قام البرهان بأن الجسم لا فعل له البتّة . ولا يخفى عليك بأن الزرع والشجر في إخراج الحبّ والثمر ، وغايتهما الحصاد ، وتمام الغرض منهما بعد ذلك تمام الحيوان في الإدراك ، وغايته النتاج ، وحصاده وصرامه الموت . فالغرض من الحيوان إذا بعد الموت كذلك الحبّ إذا لم يتمّ ولم يستحكم قبل حصاد الزرع ، لا ينتفع به بعد الحصاد . كذلك الثمر إذا لم ينضج وينعقد قبل إخراجه ، لم ينتفع فيما يراد منه . وهكذا حكم النفس الإنسانية ، إذا هي لم تتمّ بالمعارف الحقيقة صورتها ، ولم تستتمّ بالأخلاق الجميلة جوهرها ، ولا بالآراء الصحيحة عقلها ، ولا بالأعمال الزكية ذاتها في الدنيا ، لا تنتفع بعد مفارقة الجسد بحياتها ، ولا تستقلّ بذاتها ، ولا تلتذ بالنعيم في الآخرة على التمام والكمال ، كما أن الجنين إذا لم تستتمّ في الرّحم خلقته ، ولم تستكمل هناك صورته ، لا ينتفع بالحياة في الدنيا . فهكذا حكم النفس لأن موت الجسد ولادة النفس ، كما أن الطّلق ولادة الجنين ؛ فانتبه أيها الأخ من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، فإن الغرض في ذلك أن تصير ملكا بالفعل ، فاجتهد غاية الجهد ، وقوّ ظهرك بالحبل المتين ، واعتصم بحبل اللّه « وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ . » واجتهد أن تتوجه نحو الصّراط المستقيم ، إذ ذلك أقرب طرق من الخط المعوجّ إلى الغرض الأقصى ، لتنال بذلك السعادة وبقاء الأبد ، وتتلذذ بلذات